|
لمن يترك اللبنانيون العناية بمرضاهم
؟
قصدتني فتاة لطلب معلومات عن برنامج التمريض
الذي اتولى ادارته في جامعة البلمند. وكان سؤالها الملح "هل تسمح لي شهادة
هذه الجامعة بالعمل في الخارج"؟ ابتسمت متألمة وانا استعرض في مخيلتي وقائع مرة في مهنتنا، وربما انطبقت على مهن اخرى
في هذه الايام
العصيبة.
اذ تعمل كليات ومعاهد التمريض جاهدة
لاستقطاب طلاب يتحلون بما تتطلبه تلك المهنة من جهد ومثابرة
وعزم والتزام. ثم يواكبهم القيمون خلال الدراسة لاعدادهم ولصقل مهاراتهم بهدف تأمين
فريق يشارك في تحمل مسؤولية العناية بمرضانا ورعايتهم، كما يعمل على تعزيز الصحة
والوقاية من الامراض. وما ان يدخل طلابنا معترك العمل حتى يستهويهم السفر؛ اذ تجتذبهم
مغريات تغدقها عليهم مستشفيات ومؤسسات الخارج فيما "تتبارى"
مجموعة من مستشفيات الوطن في الاجحاف في حقهم. فكيف لنا الاحتفاظ بطاقاتنا البشرية، التي نستثمر فيها الكثير، اذا ما بالغت مؤسساتنا
الصحية اما في حرمانهم من
حقوقهم المكتسبة او في تكبيدهم عناء
لا يحتمل؟ كيف لنا تحفيز ممرضاتنا وممرضينا على البقاء في الوطن، فيما مستشفياتنا
تتلكأ في التوظيف بحيث اصبح عدد الممرضين بنسبة 0,5 لكل سرير استشفاء في مقابل
2,5 في الدول المتطورة؟
لقد اثبتت الممرضة اللبنانية كفاية عالية، جعلتها محط اهتمام دول عدة في عصر
يتسم بنقص عالمي في اعداد
الممرضات والممرضين. صحيح ان الكثير
من الدول تعاني هذا النقص، غير ان المؤشرات العائدة الى لبنان تضعه في
رأس اللائحة. فبالعودة الى بيانات "منظمة الصحة العالمية"، يكاد لبنان
ان يكون الدولة الوحيدة التي يفوق فيها عدد الاطباء اعداد الممرضات والممرضين! اذ تشير
احصاءات تقريبية الى وجود حوالي 8600 ممرضة وممرض في ميدان العمل فعليا، تسجل منهم
حتى تاريخه 6640 في النقابة الالزامية التي صدر قانون انشائها في 12 كانون الاول
عام 2002 وباشرت عملها الفعلي في آذار عام 2003. ان هذه الاعتداد غير كافية لسد الاحتياجات
الضرورية التي تقدر بنحو ثلاثة اضعاف العدد الحالي. اذا، نحن في حاجة
الى كفايات عالية في هذا القطاع، لان دور الممرضة يتعدى العناية العلاجية في المستشفيات.
وينظر اليها علميا باعتبارها عضوا فاعلا في فريق صحي يعمل في مجال الرعاية
الصحية الاولية بمفهومها الشامل، الذي يتضمن تعزيز الصحة والوقاية من الامراض، اي ما
يتجاوز مجرد تقديم الخدمات العلاجية. ويتطلب دور الممرضة هذا وجودها في المدارس
والحضانات والمصانع وخصوصا في المنازل حيث تتزايد اعداد المرضى المزمنين والمسنين
ما يحتم العناية بهم خارج اطار المستشفى. لذلك يجب التركيز على استقطاب اعداد
كافية من الطلاب للانخراط في مهنة التمريض، وعلى وضع خطط للمحافظة على طاقاتنا البشرية
والعمل على تطوير امكاناتها وعلى تشجيعها على البقاء في الوطن.
ومن المشاكل الاخرى التي تواجه القطاع
التمريضي، التوزيع العددي غير العادل بين المناطق. اذ يتمركز
حوالى 70 في المئة من العاملين في بيروت وجبل لبنان؛ فيما تتوزع الاعداد الباقية
على بقية المحافظات. وان كنا نعرض الاعداد فانه يجب البحث عن هذه المفارقات بالنسبة
الى الكفاءة والمهارات. وانه بحث يطول.
وبناء عليه، اوجه نداء الى كل من
يهتم بهذا الشأن، بداية من اصحاب المستشفيات ونقابتهم، ومرورا بالوزارات المعنية
اي وزارة الصحة العامة ووزارة التربية، ووصولا الى الجامعات والمعاهد، وكذلك
الى كل لبناني يحرص على وضعه الصحي. فليعمل كل منا ما امكن على تشجيع الشباب للانخراط
في مهنة التمريض. وارى ان ذلك يكون على الوجه الآتي:
- تحفيز العاملين في
مهنة التمريض عبر التقدير المعنوي لما يقدمونه من خدمات. فقد
بينت دراسات اجريت خلال السنتين الماضيتين واستطلاعات الرأي ان هذا التقدير يشكل اولوية في مطالبهم.
- تأمين رواتب عادلة
تناسب ما تتعرض له الممرضة من اخطار في العمل،
والالتزام بساعات العمل التي نصت عليها نقابة الممرضات والممرضين في سلسلة الرتب والرواتب التي اصدرتها منذ سنتين. فلتسحب تلك الالتزامات من الادراج ولتطبق. وكفى تذرعا
بأسباب غير واقعية.
- تضافر كل الجهود وتنسيقها
لدعم النقابة وللوصول الى الاهداف التي نص
عليها قانون انشائها، والتي تتلخص بمراقبة وتطوير وتعزيز
المهنة والعاملين فيها.
فهل من آذان تسمع؟
اورسلا رزق
نقيبة الممرضات والممرضين في لبنان
|